أبي منصور الماتريدي

395

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الملائكة بقوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [ الفرقان : 25 ] . وقوله - تعالى - : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً : جائز أن يكون شبهها بالسراب ؛ لما أنها إذا سيرت لم توجد في المكان الذي رآها فيه الناظر كالسراب الذي يرى من بعد إذا رآه الناظر ، فأتاه لم يجده شيئا ، لا أن تكون الجبال في الحقيقة سرابا ؛ لأن السراب هو الذي يتراءى من البعد أنه شيء ، ولا شيء في الحقيقة ، وأما الجبال وإن سيرت فهي في نفسها شيء . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً : منهم من ذكر أنها كانت في علم الله - تعالى - أنها ترصد على من حقت عليه كلمة العذاب فتعذبه ، ولا يمكنه الفرار عنها . وقيل : ترصد بشهيقها وزفيرها من استوجب العذاب ؛ فتعذبه وتتقرب به إلى ربها بطواعيتها له ، وسخطها على من سخط الله عليه . وقيل « 1 » : معنى المرصاد : أن يكون ممر كل كافر ومؤمن عليها ، لكن الكافر يقع فيها ، والمؤمن ينجو عنها . وقوله - عزّ وجل - : لِلطَّاغِينَ مَآباً ، أي : مرجعا ، والطاغي هو الذي تعدى حدود « 2 » الله تعالى ، وضيع حقوقه ، وكفر بأنعمه . وقوله - عزّ وجل - : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ، ذكر الأحقاب ، ولم يبين منتهى العدد ، ولو كان اللبث فيها يرجع إلى أمد في حق الكفرة ، لكان يأتي عليه البيان ؛ كما أتى البيان على منتهى يوم القيامة بقوله : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : 4 ] ، وقال : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : 4 ] ، فلما لم يبين ، ثبت أنه لا يرجع إلى حد ، وإلى هذا ذهب الحسن . ومنهم من ذكر أن معناه : أنهم يلبثون ثلاثة أحقاب ، والحقب ثمانون سنة ، يعذبون بلون من العذاب ، ثم يعذبون بلون آخر من العذاب بعد ذلك ، لا أن ينقطع عنهم العذاب بعد مضي الأحقاب ، والأحقاب هي النهاية في الأوقات ، فذكر النهاية في الأوقات ، وما يكبر فيها ؛ ليعلم أنهم أبدا فيها ؛ كما قال : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ هود : 107 ] ؛ لأنهما هما اللذان عرفا بالدوام ؛ فاقتضى ذلك معنى الدوام ، فكذلك ذكر ما هو النهاية من الأوقات يعرف أنهم أبدا فيها مقيمون .

--> ( 1 ) قاله الحسن بنحوه أخرجه ابن جرير ( 36044 ، 36045 ) ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 501 ) وعن سفيان وقتادة مثله . ( 2 ) في أ : حد .